محمد جمال الدين القاسمي

19

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

وانتفع به من الطلبة جمّ غفير . ولما قدم من مصر سكن أولا في ميدان الحصا ، وأقرأ الدروس في حجرة بجامع صهيب سنين عديدة ، وورد عليه هناك للاستفادة من لا يحصى . ثم في سنة ثمانين تقريبا نزل من الميدان وسكن في جوار الجامع الأموي دارا اشتراها له الأمير السيد عبد القادر الحسني الجزائري قدّس سرّه ، ولازم الإقراء في داره وتارة في حجرة له بمدرسة الباذرائية ، وبين العشائين في الجامع الأموي في محراب المالكية ، وصارت له عند حضرة الأمير المنوه به المكانة المكينة ، حتى رتب له الأمير مدة حياته في كل شهر ألف قرش من ماله . وفي سنة ( 1287 ) طلب الأمير من شيخنا المترجم أن يسافر إلى مدينة قونية ، وذلك لمقابلة نسخة « الفتوحات المكية » المطبوعة أول مرة بمصر على نسخة مؤلفها الشيخ محي الدين ابن عربي الموجودة بخطه في المدينة المذكورة ، فقابل نسخته على نسخة مؤلفها مرتين في مقدار ثلاثة أشهر ، وصحّحها وضبطها ، ووجد في المطبوعة تحريف وتقديم ونقص من محال متعددة وخصوصا من كتاب الصلاة . ولما قدم دمشق صحّحت على نسخته كثير من النسخ . وكان شيخنا المترجم مرجعا لحلّ مشكلات الفنون ، قوالا بالصدق صداعا بالحق ، لا يحابي في دينه أحدا ، جسورا ، متعففا جدا ، وعيّن له أحد ولاة الشام بإرادة سلطانية معاشا من الخزينة فأبى أشد الإباء ولم يقبله . وكان فصيح العبارة ، جيد التقرير والتحرير ، يدقق في المقولات والفنقلات أشد التدقيق ، وله في حساب الزّيج ورسمه حل إشكالات وتوضيح معضلات ، تشهد بسعة اطلاعه ، ولما طرأ على حجر البسيط الذي وضعه علامة زمانه الشيخ علاء الدين علي بن إبراهيم الفلكي ، الشهير بابن الشاطر المتوفى سنة ( 777 ) لمعرفة الأوقات في منارة العروس التي في الجامع الأموي قليل خلل لتقادم